جامع السليمانية في إسطنبول: عبقرية المعمار العثماني

جامع السليمانية في إسطنبول: عبقرية المعمار العثماني

 هو مسجد السلطان سليمان القانوني، أو كما يطلق عليه جامع السليمانية في إسطنبول عاصمة السياحة التركية، أشرف على بنائه أستاذ الهندسة المعمارية في عصره سنان أغا، وعندما أتم إنشاءه قال: “هذا المسجد أعظم إنجازاتي”، والحقيقة أنه لم يكن ليقول هذا لو لم يجد كل الظروف المواتية التي تساعده على تشييد مثل هذه التحفة المعمارية النادرة، حيث أن السلطان قد فتح للمهندس سنان أغا أبواب خزانته على مصراعيها لتنفيذ جميع أفكاره بلا نقاش، بعدما أعجب بالتصاميم والنماذج التي قدمت له، وهو ما أعطى الفرصة لسنان أغا كي يطلق العنان لإبداعاته، تاركا بصمته على السياحة في اسطنبول حتى يومنا هذا.

يحتل المسجد موقعا بارزا وفريدا، يعد من أفضل المناطق في إسطنبول، حيث بني المسجد على ربوة عالية يحفها خليج القرن الذهبي ومضيق البوسفور، في الضفة الأخرى على الجانب الآسيوي من المضيق ومدينة إسطنبول. وتوجد داخل المجمع حدائق خضراء تزيده جمالا ورونقا، كما أنه اليوم بجوار جامعة إسطنبول بمنطقة بايزيد، والتي احتلت مكان مبنى قديم كان مشيدا قبل ذلك.

يعتبر مسجد سليمان القانوني أكبر المجمعات في إسطنبول بعد مجمع محمد الفاتح، تفضي ساحة المسجد الخارجية إلى أحد عشر بابا، توصلك إلى مجموعة مبانٍ تتألف من مقبرة ومستشفى وأربع مدارس ومئذنة ومدرسة قرآنية وفندق وحمّامات، كذلك يوجد ضريح المهندس سنان أغا الشهير، في قلب هذه المباني يقع جامع السليمانية، ومثل غيره من الأبنية في الأناضول -الإسلامية منها والمسيحية- تجد المسجد مبنيا بالحجارة المنحوتة والتي ركبت فوق بعضها دون ملاط، وهي ميزة خاصة لا نجدها إلا في النظام الأناضولي المعماري.

 

تاريخ بناء جامع السليمانية في إسطنبول 

بدأ بناء الجامع بأمر السلطان سليمان الأول، أو سليمان القانوني، ويقال إن عدد الشرفات العشرة التي توجد على المنارات هي رمز إلى ترتيب السلطان سليمان بين السلاطين، فهو العاشر بين حكام الدولة العثمانية. أشرف على البناء المعماري العثماني الشهير معمار سنان، منذ عام 1550م، إلى أن أتم بناءه عام 1557م. وقبل أن يبدأ سنان أغا عملية البناء استدعى أشهر المهندسين المعماريين والحرفيين والفنيين للمشاركة في هذا الصرح العظيم، والذين بلغ عددهم ألوفا مؤلفة ممن جاءوا من شتى بقاع الدولة العثمانية.

 

مسجد سليمان القانوني من الداخل

 

 

يتخذ المسجد شكلا مستطيلا أقرب إلى المربع، فيبلغ طوله 69م، وعرضه 63م، وهو ناضج وبسيط في زخارفه ونقوشه، على غير المعروف عن المساجد العثمانية، حيث استخدم في بنائه البلاط التركي المصقول، بتصاميمه المظللة التي تتألف من سبعة ألوان مختلفة، وزخارفه تأتي على أشكال نباتية تتنوع بين زهور وأوراق أشجار وأشجار، مثل زهور التوليب وزهور القرنفل والورد الجوري، كذلك البنفسج والأقحوان، وأوراق العنب، إضافة إلى أشجار التفاح والسرو.

عندما تدلف إلى ساحة المسجد من مدخلها الخاص سترى في الأعلى نقوشات تروي تاريخ تأسيسه، وستلاحظ أن باب الرخامي للواجهة يتكون من دعامتين ضخمتين، ويفضل الدخول إلى المسجد من الطرف الشمالي، وهو المدخل الأساسي له.

الساحة الداخلية في جامع السليمانية مستطيلة الشكل، وأرضيتها مغطاة بألواح من المرمر، كما أنك تجد في وسطها نافورة الوضوء التي تم نحتها بشكل بديع، مزينة بالقضبان البرونزية الرائعة. تحيط بالساحة ثلاثة ممرات جانبية -جهات المداخل الثلاثة-، أعلى هذه الممرات توجد 28 قبة، ترتكز تلك القباب على 24 عمودا وتترابط فيما بينها بأقواس صغيرة.

أما الدخول إلى القاعة المخصصة للصلاة فيكون من الصحن مباشرة، أو من مداخله الجانبية القائمة التي تحتلها صفوف الأعمدة، ومن بين هذه المداخل خصص مدخل للسلطان سليمان الأول. وسط المصلى تتجلى القبة الرئيسية للمسجد، والتي تم بناؤها بارتفاع 53 مترا، وقطر يبلغ 27.25 مترا، تحملها أربعة أعمدة تتلاءم مع ضخامتها، وتحيط بالقبة الكبيرة ست قباب متوسطة الحجم، ثم أربعة قباب أخرى صغيرة الحجم في أركان قاعة الصلاة، إن الدقة الفنية الفريدة في بناء وتناسق تلك القباب لهي السبب الرئيس الذي ساعد على النظام الصوتي البديع الذي امتاز به الجامع في ذلك الحين .

ولا يزال جامع السليمانية في إسطنبول مفتوحًا للصلاة إلى يومنا هذا، تتوافد إليه جموع المصلين على مدار الصلوات الخمس، إضافة إلى كونه معلمًا سياحيًّا من أهم معالم إسطنبول .

وقد لقي نظام التهوية الخاص بالمسجد  اهتمامًا خاصا من المهندس سنان أغا، حيث هيأ له منافذ خاصة، يتم فتحها للداخل أو الخارج من أجل تنقية الهواء بسهولة ويسر، كذلك توجد فتحات صغيرة تحت القبة في اتجاهات معينة تضمن صعود الدخان الذي يتصاعد من قناديل الزيت المستخدمة في إضاءة المسجد وسحبه إلى خارج البناء.

وكما هي عادة المساجد في الدولة العثمانية نجد حائط القبلة مزينًا بكسر الزجاج الملون، بينما تم صنع المحراب والمنبر من المرمر الجميل المحفور، كذللك فمنبر الواعظ صنع من خشب محفور بشكل بديع، وزوايا المحراب منقوشة ومطعمة بأوراق ذهبية، وهناك مقصورة قائمة على أعمدة من رخام ومرمر، هي المقصورة المخصصة للسلطان سليمان الأول، كذلك خصص للمؤذن مقعد من المرمر.

وللمسجد أربعة مآذن ترتفع على أركان الساحة الداخلية، مئذنتان على ركني المصلى، وهما الأطول بارتفاع يبلغ 74م، في كل مئذنة منهما ثلاث شرفات، أما المئذنتان الأخريان فتحتويان على شرفتين فقط، ليصبح عدد الشرف الموجودة بالمسجد عشر شرفات، ما يرمز كما أشرنا إلى عاشر سلطان عثماني، السلطان سليمان الأول، بينما تشير المآذن الأربعة إلى أنه رابع سلطان عثماني يتولى الحكم بعد فتح القسطنطينة.

 

قبر السلطان سليمان وباقي الأضرحة

لا يفوت زائر جامع السليمانية في إسطنبول أن يشاهد الأضرحة التي يضمها المسجد، حيث تجد ضريح السلطان سليمان القانوني الذي أمر ببنائه داخل ساحة الجامع، كذلك توجد أضرحة عائلته، ومن بينها قبر زوجته روكسلان، التي عرفت في الدراما التركية بالسلطانة هيام، وقد تم دفن السلطان سليمان الأول داخل الجامع عام 1566م، بعد عمر بلغ 71 عاما، ويعد ضريح السلطان من أجمل الأضرحة التي بنيت على الطراز العثماني.

أخيرًا يمكن الوصول إلى المسجد ببساطة سيرا على الأقدام، لمدة 10 دقائق فقط، من ساحة بيازيد أو السوق المغطى، بعد استقلال خط المترو T1  باتجاه ميدان السلطان أحمد، والنزول في محطة بيازيد.

كذلك يمكنك أن تأخذ قسطا من الراحة في أيٍّ من المطاعم والمقاهي الكثيرة المنتشرة حول المسجد، أو أن تجلس في الحديقة الصغيرة القريبة منه. كما أنه يوجد بالقرب من جامع السليمانية العديد من الفنادق التي تتباين أسعارها وخدماتها لتناسب جميع الزوار.

إنه واحد من أجمل المساجد التي بنيت خلال حكم الإمبرطورية العثمانية، التحفة الفريدة التي تعد أعظم أعمال المهندس المعماري المشهور سنان أغا.. إنه جامع السليمانية في إسطنبول الساحرة.

 

No Comments

Post A Comment