مسلة تحتموس الثالث في إسطنبول: سفير الفراعنة

مسلة تحتموس الثالث في إسطنبول: سفير الفراعنة

في منتصف ميدان السلطان أحمد الشهير بقلب إسطنبول تجد ذلك الأثر الفرعوني التليد، الذي يعوده بناؤه إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد. إنها مسلة تحتموس الثالث الإمبراطور العظيم، أو (من خبر رع)، التي شيدت أمام الصرح السابع لمعبد الكرنك بالأقصر، ثم تم نقلها إلى الأسكندرية عبر نهر النيل بأمر من الإمبراطور قونستانتيوس الثاني، كان ذلك قبل الميلاد بحوالي ثلاثة قرون، ولم تبقَ هناك كثيرا، حيث نقلت بعد ذلك إلى بيزنطة (إسطنبول حاليا)، ووضعت في مضمار سباقات الخيول بوسط المدينة، تم ذلك بأمر من الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، إمبراطور الدولة الرومانية في ذلك الوقت. المسلة التي يجتمع حولها الآن العازفون والمغنون في وسط إسطنبول ويأتي إليها السياح من شتى بقاع العالم، لمشاهدة هذا الأثر الذي مر على تشييده آلاف السنين، لا يزال يبدو بحالة جيدة، حيث لم تلحق به إلا أضرار قليلة نتيجة النقل، وعليها تبدوا النقوش الهيروغليفية واضحة، حيث تحكي عن إحدى الحروب التي خاضها الفرعون المصري تحتموس الثالث.

 

تحتموس الثالث قادم إلى إسطنبول!

الفرعون الأسطورة (من خبر رع) أو تحتموس الثالث، هو سادس حكام الأسرة الثامنة عشر، وأحد أعظم قادة العالم القديم، حيث أسس أول إمبراطورية شهدها العالم، امتدت ما بين القرن الرابع عشر والحادي عشر قبل الميلاد، من أجل ذلك أطلق عليه أبو الإمبراطوريات. اشتهر تحتموس الثالث بسماته الشخصية الخارقة، وعبقريته العسكرية التي لا مثيل لها، حيث لقي تحتموس تدريبه في ساحات المعارك بطيبة عاصمة مصر (الأقصر حاليا)، ما أكسبه صلابة الشخصية، وزوده بالخبرات العسكرية العظيمة أيام حكم الملكة حتشبسوت لمصر. اهتم بالجيش، وجعله جيشا نظاميّا، ثم زوده بالفرسان وبالعربات الحربية، وقد أتقن المصريون القدماء في عهده صناعة النبال والأسهم، وذاع صيتهم في هذا المجال، حيث أصبحت سهامهم ذات جودة عالية يعترف بها المؤرخون.

تصف التماثيل تحتموس الثالث بالشاب مفتول العضلات، الذي يمتلك مقومات القائد والمحارب، فحينما كانت حتشبسوت تتبع سياسة سلمية في حكمها للبلاد وعلاقاتها بمناطق النفوذ في فلسطين والنوبة، كانت تهتم بالترسانة البحرية، وترسل حملاتها إلى بلاد بونت وإلى السواحل اللبنانية لأغراض تجارية؛ ما جعل بعض المحميات في سوريا وميتاني تنتهز هذه الفرصة للتمرد على الحكم المصري ومعاداته، ما جعل من الضروري على تحتموس الثالث عقب اعتلائه العرش -بعد وفاة حتشبسوت- أن يعيد السيطرة لمصر على هذه الحركات المعادية، تأمينا لبلاده وحدودها. لذا كان لزاما أن يكون ملكا محاربا يخلده التاريخ بحروبه الأسطورية، حيث قام بنحو ست عشرة حملة عسكرية على قارة آسيا -منطقة فلسطين وسوريا الآن- واستطاع خلالها أن يدعم نفوذه هناك، كما دعمه جنوبا حتى بلاد النوبة.

من أشهر معارك تحتموس الثالث (معركة مجدو)؛ حيث قسم الجيش إلى قلب وجناحين –وهو أول من قام بذلك في التاريخ-، كما استخدم مناورات وتكتيكات عسكرية جديدة، ساعده على ذلك ما وصل إليه الجنود من تدريب وكفاءة، كذلك ما مد به الجيش من أسلحة وعتاد، ثم ذهب على رأس الجيش قاطعا مسافة 150 ميلا خلال عشرة أيام كاملة، ليصل إلى غزة، بعدها قطع ثمانين ميلا أخرى بين غزة وسفح جبل الكرمل، حيث عقد الإمبراطور المحارب تحتموس الثالث مجلس حرب مع قادة ضباطه، بعدما بلغه أن أمير قادش جاء إلى مدينة (مجدو) المحصنة ومعه 2300 أميرا بجيوشهم، لوقف زحف الجيش المصري.

لم تكن هناك سوى ثلاثة طرق تؤدي إلى مجدو، منهما اثنان مألوفان يدوران حول سفح الكرمل، أما الثالث فهو عبارة عن ممر ضيق يوصل إلى قلب مجدو مباشرة، والعجيب أن رأى تحتموس قد استقر على أن يعبر الجيش الممر الثالث، في واحدة من أخطر الملحمات الحربية في تاريخ جيوش العالم القديم؛ فقد استدعى عبور الممر لمفاجأة العدو أن يحمل الجنود عتادهم وعرباتهم الحربية وأحصنتهم! لذا كانوا يفكون العربات ليسهل حملها والتسلل بها عبر الممر الضيق للغاية في تشكيلات صغيرة، وهو ما يعد مجازفة خطيرة ومبتكرة.

وبينما كانت قوات العدو تتمركز عند نهاية الطريقين الفسيحين، ظنا منها أن جيش تحتموس سيسلك إحدهما، أمر الملك جنوده فجر اليوم التالي بإعادة تركيب العربات الحربية، استعدادًا لهجوم مفاجئ، هجمت القوات، وكان الملك على رأس الجيش في المقدمة التي رسمت نصف دائرة، وهي المفاجأة الكاسحة التي أخلت بتوازن جيوش العدو وأفقدتهم السيطرة، ما جعل حالة الفوضى تعم صفوفهم، فبدأ القادة والأمراء في الهروب مخلفين وراءهم عربات كبيرة ومعسكرات مليئة بالغنائم، وذهبوا ليتحصنوا داخل المدينة، وقد أدى انشغال أفراد الجيش المصري بجمع الغنائم من تمكن الآسيويون من الهروب إلى الحصن، ما كانت تبعاته أن اضطر الملك تحتموس الثالث إلى حصار (مجدو) سبعة أشهر كاملة، إلى أن استسلم الأمراء، وأرسلوا أبنائهم لتسليم الأسلحة إلى الملك.

 

مسلة تحتموس الثالث ونسخها حول العالم

والمسلة الموجودة الآن في ميدان السلطان أحمد بإسطنبول ليست مسلة تحتموس الثالث الوحيدة التي تم تشييدها، والتي تمثل في الواقع الجزء الأعلى فقط من المسلة الأصلية التي كانت أطول بكثير من أية مسلة موجودة الآن، حيث يضاف إلى مسلة تحتموس الثالث في إسطنبول ستة مسلات أخرى على الأقل بنو في عهد الإمبراطور المحارب، معظمها موزع الآن بين عواصم عالمية عدة، من بينها واحدة موجودة في لندن الآن، وهي إحدى مسلتين أقيمتا أمام معبد الشمس بهليوبوليس القديمة، ثم نقلهما المهندس الإغريقي بنتيوس إلى الأسكندرية، ووضعا في ساحة معبد إيزيس.

يذكر أن هذه المسلة سقطت من فوق قاعدتها في القرن الرابع عشر ميلاديا، ثم أهاداها الخديوي محمد علي إلى بريطانيا سنة 1831م، لكنها وصلت لندن سنة 1878م، لبقائها على الأرض وعدم التمكن من تعتعتها طوال ذلك الوقت، حتى تكفل بمصاريف نقلها السيد أرزمس ولسن، وصنع لها سفينة خاصة، لسوء الحظ أن السفينة تعرضت للغرق في طريق  عودتها بسبب عاصفة شديدة بخليج بسكاي، لكنهم تمكنوا من إنقاذ المسلة والوصول بها سالمة. يذكر أن المسلة أصيبت بخدوش أثناء الحرب العالمية الثانية، جراء شظايا القنابل على ضفاف نهر التايمز، وتعرف هذه المسلة باسم (إبرة كليوباترا). كذلك هناك مسلة أخرى في نيويورك، وهي إحدى المسلتين اللتين أقامهما تحتموس أمام معبد الشمس، أي أنها توأم مسلة لندن، وهي موجودة إلى اليوم في سنترال بارك.

أمر تحتموس الثالث قبل وفاته أن تقام مسلة جديدة أمام الصرح الثامن بمعبد الكرنك، لكنه مات قبل استكمال بنائها، وبقيت هكذا مدة 35 عاما، إلى أن استكملها الملك تحتموس الرابع، وأمر بإقامتها في المكان الذي أعدت له، وهي المسلة التي توجد الآن في روما، أمام كنيسة القديس يوحنا، حيث قام عاهل الدولة الرومانية (قسطنطين الأكبر) بنقل هذه المسلة، والتي يبلغ وزنها 45 طنا، إلى الأسكندرية عام 330م، بغرض إرسالها إلى بيزنطة من أجل تجميل العاصمة الجديدة، لكنه فشل في ذلك، وبقيت مكانها مدة 277 عاما.

إلى أن قام قسطنطنيوس بنقلها إلى ميدان ماكسيماس بروما، وسنة 1587م تم اكتشاف هذه المسلة محطمة إلى ثلاثة أجزاء، فجرى إصلاحها وعمل الترميمات اللازمة على يد دومنيكو فونتانا بتكليف من البابا سكتس الخامس، ووضعت بمكانها الحالي في ميدان (اللاتيران)، كما أمر البابا بأن يرفع الصليب على قمتها، كرمز لانتصار المسيحية وقضائها على الوثنية. إنه معلم سياحي أقدم من المكان، ضارب بجذروه في عمق التاريخ البشري والإنساني؛ سفير الحضارة المصرية بإسطنبول.. مسلة تحتموس الثالث.

أفضل فنادق أنقرة في كل الفئات

أفضل فنادق اسطنبول في كل الفئات

أفضل فنادق أزمير في كل الفئات

أفضل فنادق كونيا في كل الفئات

أفضل فنادق أنطاليا في كل الفئات

Comments

comments

No Comments

Post A Comment

التخطي إلى شريط الأدوات