آيا صوفيا معجزة البقاء في إسطنبول وجدل لا ينتهي

آيا صوفيا معجزة البقاء في إسطنبول وجدل لا ينتهي

 تتحدث أسطورة طائر الفينيق عن ذلك الكائن الخرافي الذي ينبعث من رماده مرة أخرى، ليعود إلى الحياة بكامل رونقه وجماله.. كذلك الحال مع هذا البناء التليد (آيا صوفيا)، الذي يعود بناؤه إلى عام 360م على يد الإمبراطور قسطنطينوس الثاني، والذي أسماه في أول الأمر الكنيسة الكبيرة، أو (ميغالي أكليسيا)؛ احترق هذا المبنى -الذي كان يتميز بسقفه الخشبي- في إحدى حركات التمرد عن آخره، ولم يبقَ منه شيئا، لكن طائر الفينيق (آيا صوفيا) عاد مرة أخرى من رماده على يد الإمبراطور تيودوروس الثاني، وافتتحه  ككنيسة للعبادة عام 415م، بداية من ذلك التاريخ أطلق عليه اسم هاغيا صوفيا، أو آيا صوفيا، والذي يعني مكان الحكمة المقدسة. كان البناء الأول والثاني على صورة كاتدرائية، بجدران حجرية وسقف خشبي، وبقي على ذلك الحال حتى احترق مرة أخرى في إحدى حركات التمرد التالية، التي انطلقت من مضمار كنيسة آيا صوفيا سنة 532م.

منذ ذلك الحين حتى 537م، وعلى مدار خمس سنوات متتالية، كان العمل يجري على قدم وساق لإخراج تحفة المعمار البيزنطي آيا صوفيا إلى النور، حيث أمر الإمبراطور جوستنيان اثنين من أمهر المهندسين المعماريين في ذلك الوقت، هما (أنثينيوس التراليني) و(إيسودور الميليسي)، لبناء الكنيسة على غير مثال سابق، لتكون فريدة من نوعها، تدل على ما وصلت إليه العمارة البيزنطية من تقدم وإبداع.

بنيت كنيسة آيا صوفيا على طراز الباسيليكا ذي القباب العالية، بطول 100 متر، وقبة بارتفاع 55 مترا -أي أعلى من ارتفاع معبد البانثيون-! بلغ قطر القبة 30 مترا، والتي تتميز بجمالها وروعتها، ما جعل الإمبراطور يقول: “لقد تفوقت عليك يا سليمان الحكيم”. يقصد بذلك النبي سليمان عليه السلام، حيث كان الجن يساعدونه في البناء، إلا أنه بعد عشر سنوات من إقامة تلك الكنيسة البديعة تصدع الجزء الشرقي منها، بسبب حدوث هزة أرضية عنيفة ضربت إسطنبول، حيث سقط جزء كبير من القبة الرئيسية، ما دفع الإمبراطور جستنيان إلى إعادة بنائها مرة أخرى، بحيث أصبحت أكثر ارتفاعا من سابقتها، ثم قام بتدعيم الأساسات التي تقف عليها القبة، وهي القبة التي نراها إلى يومنا هذا، كواحدة من أشهر أماكن السياحة في إسطنبول، صامدة أمام كل ما لاقته على مدار التاريخ.

 

موقع آيا صوفيا الفريد

يقع متحف آيا صوفيا على مدخل مضيق البوسفور، في منطقة السلطان أحمد، بالقسم الأوروبي من مدينة إسطنبول، ويضفي هذا الموقع المتميز ذو الطبيعة الخلابة طابعا فريدا على المكان، ما يجعل من المكان معلما أثريا وجغرافيا في آن واحد، أضف إلى ذلك أيضا ما يمثله المتحف لمختلف الطوائف الدينية، فهو مطبوع في ذاكرة المسلمين والمسيحيين على حد سواء، ففرادة الموقع هنا ليست على مستوى الجغرافيا فقط، وإنما على مستوى الذاكرة البشرية.

 

مسجد آيا صوفيا

ثم جاء الفتح الإسلامي للقسطنطينية (إسطنبول حاليا) على يد السلطان محمد الفاتح سنة 1453م، والذي كان تحقيقا لحلم والده السلطان مراد الثاني واستكمالا لمسيرة جهاده، وعندما دخل المسلمون إسطنبول أمر محمد الفاتح برفع الأذان، ولم يكن هناك حينها مكان للصلاة، لذا أمر السلطان بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، مع الحفاظ على معمارها البيزنطي الكنسي، مراعاة لمشاعر المسيحيين، وأضاف حولها أربعة مآذن بشكل إسطواني مخروطي، ما زاد البناء جمالا وفرادة. وقد استمر آيا صوفيا مسجدا حتى عام 1935م، إلى أن تم تحويله إلى متحف في عهد أتاتورك، الذي أنهى الخلافة العثمانية، وأعلن الدولة العلمانية 1923م.

وعلى مدار الـ481 عاما التي كان فيها مبنى آيا صوفيا مسجدا تم تجميله وزخرفته بالزخارف العثمانية الإسلامية الرائعة، التي قدمت مزيجا رائعا بين الحضارتين البيزنطية والعثمانية، الأمر الذي جعل من آيا صوفيا جدلية باقية تدل على أن الجمال واحد وإن تعددت منابعه ومشاربه.

وما زال الكثير من الأتراك ينتظرون اليوم الذي يعود فيه متحف آيا صوفيا مجددا إلى مسجد؛ ففي 2012م أقام آلافُ المسلمين الصلاة أمام المبنى، احتجاجا على حظر إقامة الشعائر الدينية داخله، وكان ذلك بمناسبة الذكرى الـ559 لفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، حيث هتف المتجمعون: “اكسروا السلاسل، افتحوا مسجد آيا صوفيا، المسجد الأسير”.

ونشر المؤرخ التركي يوسف هالاجوغلو في 2013م بحثا في مجلة أكاديمية تركية، بالتعاون مع اثنين من الباحثين، أكدوا فيه عدم إمكانية استمرار آيا صوفيا كمتحف، حيث أن التحويل إلى متحف تم عن طريق تزوير توقيع أتاتورك على القرار المتعلق بالموضوع.

أفضل إقامة فندقة بأرخص سعر
Booking.com

النسق المعماري لـ(آيا صوفيا)

 

آيا صوفيا من الداخل

ايا صوفيا والتصميم الداخلي الفريد

جمع آيا صوفيا بين العديد من الأفكار المعمارية؛ ففي عصر الدولة البيزنطية اشتهر بأنه قمة المعمار البيزنطي في مجال البازيليكات، حيث كان كنيسة مستطيلة الشكل، وتوجد فوق الصالة الرئيسية قبة ضخمة، تستند على مبنى سفلي مربع، هو عبارة عن دعامات ضخمة تحمل قاعدة تلك القبة. تستند القبة على أنصاف قباب ضخمة من الشرق والغرب، ترسو تلك القباب بدورها على دعامات سفلية، لتخفيف الضغط على الحوائط. ونجد أن القبة كلها من الداخل مغطاة بطبقة سميكة من الرصاص، تحيمها تلك الطبقة من العوامل الجوية، كما توجد أسفل القبة نوافذ للإضاءة. ونجد في فناء آيا صوفيا سلّمًا يؤدي إلى طابق علوي، وهو المكان المخصص للسيدات. كما أضيف لهذا المبنى مجموعة من المبانى والحجرات المحيطة به.

ومنذ البداية كان الاهتمام كبيرا بتجميل المبنى وزخرفته من الداخل، حيث استغل الإمبراطور جستنيان جميع إمكانيات الإمبراطورية من أجل زخرفة وتزيين المبنى، فنجد أن جزءا كبيرا من الحوائط تغطيه ألواح الرخام بأنواعه وألوانه، كما أن السقوف تزينت بنقوش من الفسيفساء والفرسكو، وبالرغم أن معظم المناظر قد غطيت في عصر الدولة العثمانية بطبقات من الجبس، ورسمت فوقها زخارف هندسية، وتحف بديعة من الخط العربي، لكن كثيرا من هذه الطبقات سقطت، ما جعل المناظر القديمة أسفلها تظهر من جديد.

 

آيا صوفيا.. جدل لا ينتهي

مؤخرًا، وتحديدا في يونيو 2016م، أصدرت رئاسة الشؤون الدينية التركية قرارا ينص على تلاوة القرآن في آيا صوفيا، وذلك على مدار شهر رمضان لسنة 1437 هجرية، وأطلق برنامج ديني خاص بليلة القدر، تحت عنوان (خير من ألف شهر)، تم في نهايته رفع الأذان من نفس الموقع الذي رفع منه آخر مرة، قبل تحويل آيا صوفيا إلى متحف، أي قبل 85 عاما، ما يعادل ألف شهر تقريبا!
مما دفع اليونان لانتقاد تلك الإجراءات، وصرحت أن هذا “يصل إلى حدود التعصب الديني، ويُظهر انفصاما عن  الواقع”، كذلك رأت أيضا أن هذه التصرفات لا تتوافق مع “المجتمعات الديمقراطية العلمانية”، وتمثل “إهانة لمشاعر ملايين المسيحيين”.

ومن توابع هذا أيضا مطالبة البطريرك برثلماوس، وهو الرمز الروحي لقرابة ثلاثمائة مليون أرثوذوكسي حول العالم، أن يبقى موقع آيا صوفيا متحفا.

وصرحت المفوضية الأميركية للحرية الدينية حول العالم -إحدى الهيئات الاستشارية التي شكلها الكونغرس من أعضاء الحزبين  الديمقراطي والجمهوري- بما مفاده إن عودة آيا صوفيا إلى كونه مسجدا سيضع تركيا في مأزق دولي، وقد يعيد للأذهان سوء معاملة الأتراك للمسيحيين خلال القرن المنصرم.

 

أخيرا.. وبعيدا عن كل هذا الجدل الدائر، عليك معاينة الأمر عن قرب، لترى النقاشات المحتدمة والعصبيات وقد جسدها التاريخ وراءه على هيئة معلم أثري، يعد ثاني المعالم الأثرية في تركيا من حيث عدد الزوار ، ويتردد عليه حوالي 3.5 ملايين زائر سنويا، إنه المتحف المسيحي الإسلامي.. آيا صوفيا.

Comments

comments

No Comments

Post A Comment

التخطي إلى شريط الأدوات